فضل ذكر الله تعالى

Publié le par abou abdillah al tounsi

فضيلة الشيخ/ عبد الرحمن السديس

12/4/1426هـ

 

1ـ صلاح القلوب في دوام ذكر الله.  

2ـ كثير من الناس ألهتهم الغفلة والحياة المادية.

3ـ تدنيس القرآن الكريم من قبل بعض الملاحدة من أعظم المنكرات.

4ـ المطالبة بإنزال أشد العقوبات بهؤلاء الملاحدة.

 



الحمد لله مولى الذاكرين الأخيار، ورافع قدرهم في محكم الآيات وصحيح الأخبار، سبحانه لا نحصي ثناء عليه، لهجت بذكره ألسنة الأتقياء الأبرار، فهو أهل الإجلال والإعظام والإكبار. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نتضوع شذاها في السر والإخبار. وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، هو خيار من خيار من خيار، أزكى من ابتهج بذكر ربه وسبحه كثيراً بالعشي والإبكار. صلوات ربي ورحماته وبركاته عليه، وعلى آله وصحبه علاة الأقدار، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار. وسلم تسليماً كثيراً يملأ الأكوان والأقطار، ولا يحده النعت المدرار.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، اتقوه تقوى من خاف ربه ووجل، وبادر حياته بصالح العمل قبل أن تبتدره فجأة الأجل، فلا تغني عنه حينها المعاذير والحيل.

أيها المسلمون: في غمرة الحياة المادية، واللهاث وراء المتع الحسية، وما أسفرت عنه من شيوع أحوال القلق والاكتئاب، والأوصاب والملل والاضطراب، وفي خضم ما منيت به الأمة من أحداث ومتغيرات، شغلت الناس بالمتابعات والتحليلات، انبثق عن ذلك كله التغرب عن الحياة الهانئة المطمئنة علاوة على ما قذفت به الحضارة المزعومة والمدنية الزائفة من سموم أضرم نارها  قنوات وشبكات تحلق الدين، فتبتلي لا تسمع لسلطان الروح إلا نبأة لا تكاد تبين، ولا ترى لها إلا قبساً خافتا لا يطفئ شذما جدّ مكين! وهل كان بدعاً بعد ذلك أن صوّحت القلوب بعد الإشراق، وأجدبت بعد النداوة والإيراق، فانطمس نورها، وبهت وهجها، وانقطع عن الذكر المشع لهجها ] نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ[ [الحسر:19].   

ولا غرو أن يضاف لكل أسًى مقعد هذا الداء الدوي، داء الغفلة والنسيان الذي أسّن ينابيع الروح الصافية، وخلخل أطنابها الراسية إلى ركام مآسينا الضارية مما تحتاج معه الألسنة إلى ما يرطبها، والأفئدة إلى ما يطمئنها، ولعله ـ يا رعاكم الله ـ سرى إلى لطيف علمكم وشريف فهمكم ما إليه قصد ويمم محبكم.

معاشر المسلمين: وايم الله إنه لن تصلح القلوب، ولن تستنير الدروب، وتنجاب الحرق والكروب، ونبرأ مما مسنا من قسوة ولغوب؛ إلا بدوام ذكر وتعظيم وتمجيد وتسبيح علام الغيوب، ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً[ [الأحزاب:41]. ] وَاذْكُرُوا اللَّّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[ [الجمعة:10]. ] وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ[ [آل عمران:41].  

والآيات الحاثة على الذكر الدالة على فضائله ومنافعه وفوائده في الدنيا والآخرة غير خافية على أولي النهى والألباب. وكذلك الأحاديث الشريفة عن النبي الأواب عليه الصلاة والسلام؛ يقول صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: ((مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت)) الله أكبر! ذكر الله هو الروح والحياة، ونسيانه هو الفناء والممات. عن عبد الله بن بشر رضي الله عنه؛ أن رجلاً قال: ((يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: ((لا يزال لسان رطباً من ذكر الله))  لا إله إلا الله. أخرجه الترمذي والحاكم بسند صحيح.

ومن شدة أنسه ولهجه بالله عز وجل، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ربه في كل طرفة عين، وخفقة قلب، وعلى جميع أحواله، وفي كل أحيانه، بفؤاد واجف ودمع واكف، أليس هو القائل بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم: ((ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، وتضربوا أعناقهم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: ذكر الله)) لا إله إلا الله. خرجه أحمد والترمذي والحاكم بسند صحيح. فيا لله لقد فاقت منزلة الذكر منزلة الجهاد في سبيل الله! .

إخوة الإيمان: ذكر الله دوماً بمبانيه ومراميه، وتدبر ألفاظه ومعانيه، حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، وهو العز الذي لا ينال بسلطان ولا مال، والتوفيق المبلِّغ ذرى الكمال والأنس والجلال ..

وكف عن العورى لسانك وليكن     دواماً بذكر الله يا صاحبي ندي

ومدّ إليه كفّ فقرك ضارعاً          بقلب منيب وادع تعط وتسعد

وقد طرّز الإمام ابن القيم رحمه الله فضل الذكر وحال الذاكرين بقوله: "وهي منزلة القوم التي متى فارقها صارت الأجساد لها قبوراً، وعمارة ديارهم التي إذا تعطلت عنهم صارت بوراً، به يستدفعون الآفات، ويستكشفون الكربات. إذا أظلهم البلاء، فإليه ملجأهم، وإذا نزلت بهم النوازل فإليه مفزعهم، فهو رياض الجنة التي إليه يتقلبون، وهو جلاء القلوب وصقلها ودواؤها إذا غشيها اعتلالها".

إخوة العقيدة: وفي البِشَر عن خير البَشَر صلى الله عليه وسلم، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: ((أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم)) لا إله إلا الله. أخرجه الشيخان. وأكرم بعبد يكون رب العالمين في ثنائه وذكره. فلا إله إلا الله والله أكبر، ] وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [ [العنكبوت:45].   

أيها الفضلاء الذاكرون: المحافظة على الأذكار غراس دار الأبرار، وهل يفرط في غراس الجنة إلا مفلس في عداد الأغرار! ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ[ [المنافقون:9]. نعم، حينما يتصل الذكر بالقلب، ويستقر في السويداء، ويمتزج بالتوبة والإنابة والاستغفار في كل الآناء، يضحي مدداً لطهرة النفس وهنائها، وشؤبوباً دفّاقا لزكاء الروح وصفائها، ومسباراً لنورها ونقائها. فلا يُعْوِزُكَ ساعتئذٍ أن تدرك نار البصيرة يتألق على فعال الذاكر في أي سبيل وأي اتجاه. مداركه بعبق الذكر قد شفَّت، والملائك الكرام به قد حفَّت، قد توّج بإشراق من نور الله فكسي جمالاً، وقلبه أفعم بحب الله فسقي جلالاً وطمأنينة تنثر اللفظ والمبنى إلى سمو المعنى وزكاء المغنى ] الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ [ [الرعد:28].  لا إله إلا الله. تطمئن إن أصابتها السراء والضراء، وتسكن ولا تجزع إن مستها محنة الفتنة والابتلاء. وإن خبت فيها جذوة التزكية والتصفية، ركنت إلى حمى الذكر والتذكر تستروح السكينة، وتستنبي الطمأنينة، فيقودها ذلك إلى وعدٍ ريَّانٍ لا يخلف طوبى لهم وحسن مآب ] وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً[ [الأحزاب:35].   

وأكثِرْ ذكرَهُ في الأرض دأباً          لِتُذْكَرَ في السماء إذا ذَكَرْتَا

ونادِ إذا جسدت له اعترافاً        بما ناداه ذو النون ابن مكاتي

لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين. يقول معاذ بن جبل رضي الله عنه: ((ما من شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله)) كيف والدعاء المنبجس من ينبوع الثناء على الله وتعظيمه وتمجيده ما هو إلا تقرير لحقيقة الخضوع والانعطاف، وصدق الطاعة والازدلاف لمن يعلم السر وما هو خافٍ.

وليت شعري أيها الخيرة ما فئة مرتكسة منتكسة بفيها هسر البري هتكت بجنوحها عن منهج الاعتدال حجاب الحق هتكاً، وفتكت جهلاً كبّاراً برواء الدين فتكاً، وسفكت في رابعة النهار مهجة المسلمين سفكاً، وأخرى صريعة الفضائيات مدمنة العب من الشبكات والتقانات في عفن فني وعبث مرذول أخلاقي، فأنَّي تخالط هؤلاء وأولئك حلاوة الذكر، وأنى تنتفع بعظيم فوائده، ونبل فرائده، وجليل مقاصده.

أيها المؤمنون: هل مقلت أبصاركم أبهى وأكمل، وأطهر وأنبل من سيرة المسلم الذاكرِ القانتِ، القرآنُ العظيمُ أنيسهُ، وذكر الله تعالى جليسه، قد رق طبعه ولانت عريكته، ونعم المؤمنون باستقامته وهداه، وسلم المسلمون من شره وأذاه. هنيئاً لمن كان ذلك منسمه هنيئاً، ويا بشرى لمن أوتي لساناً رطباً مريئاً، ليناً بالذكر، مفعماً بالشكر، هشًّا بالثناء على الله، سحًّا برجاء الله، رطباً بالتسبيح والاستغفار، طفقاً بالتفكر والاعتبار. ألا إنه بمثل هؤلاء يستنـزل النصر، ويحلّ الغفر، وتنجو الأمة من هزائمها وانتكاساتها، وتسلم الشعوب من وهدتها وارتكاساتها ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ [الأنفال:45]. أورد الإمام الذهبي في السير أن قتيبة بن مسلم سأل في إحدى معاركه عن الإمام العابد محمد بن واسع، وقد حمي الوطيس، فقيل هو في مصلاه رافعاً سبابته يذكر الله عز وجل، فقال: ((والله لأصبع محمد بن واسع أحب إليّ من ألف شابّ طرير وألف سيف شهير)) الله أكبر، تأملوا رحمكم الله أثر الذكر والذاكرين في انتشال الأمة من مآزقها، وانتصاراتها على أعدائها.

معاشر المؤمنين: ذلكم شذًى من شأن الذكر وأسراره، وتلكم شذرة من فضائله وآثاره، إن جرى على لسان المؤمن وقلبه كان جنته من دنياه، وغاية أنسه بربه ومنتهاه، ويا بشراه بذلك يا بشراه.

ومن عجب يا عباد الله، أن ترى في المسلمين فئاماً نُهْبَةً لمقاريض الغفلة، قد ورد عليهم النسيان بظلمته وخَدَرِهِ، وألقت عليهم الغفلة بكلكلها وسجوفها، والضيعةُ بأقفالها وحجبها، فاستعجم منهم اللسان، وأظلم الجنان، سادرين في حلك الغواية والعماية. ترى منهم من يقضي ... يومه وليله في الهذر واللغو والغيبة والنميمة، والولوغ في أعراض المسلمين، ولا يدور له ذكر الرحمن على بال، ] وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ[ [الزخرف:36].   ومنهم من يقضي الساعات في اللهو والباطل، ويعجز عن ذكر كلمات على اللسان خفيفات، وفي الميزان ثقيلات، وإلى الرحمن حَبِيباتٌ، يحفل بهنّ وافر الحسنات: "سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم". أقوام أفئدتهم لم تذق لذة المناجاة والخشوع، ومحاجرهم ... والدموع، بعضهم في اللهو والسهو سَحْبَان وائل، وعند الأذكار والدعاء أعيا من باقل، ] فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ[ [الزمر:22].  ويل ثم ويل للذين جفت قلوبهم عن مناجاة الله ونصت، وعن ذكر الله ناءت وتفصّت، قلوب جدباء قاسية وألسنة صدئة عاصية. يقول صلى الله عليه وسلم: ((لا تكثر الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي)) أخرجه الترمذي.

فهل بعد ذلك ـ يا عباد الله ـ من مبدد لعبراته، ومردد لحسراته وأناته وزفراته على تفريطه في جنب الله ولذيذ مناجاته! يقول العلامة ابن       القيم رحمه الله: ((إن الغافل بينه وبين الله وحشة لا تزول إلا بذكر الله. لا إله إلا الله.

أمة الذكر الحكيم: وثمة ملحظ مهم لا نعدوه في هذا التذكير، ألا هو ما استحدثه أقوام من أذكار وأوراد مبتدعة صرفتهم عن المأثور الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم سيد الخلق وحجة الله على عباده، وقد أتوا بها في حمًّى من الضجيج، وألوان من العجيج، وصفات نابية كل النبو عن الوقار فضلاً عن مخالفتها للكتاب والسنة وصحيح الآثار. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ويستحب لمن ذكر الله عز وجل خفض الصوت بالذكر؛ لقوله تعالى: ] وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ [ [الأعراف:205]".  

أما ما يفعله بعضهم ـ والكلام لشيخ الإسلام ـ في ذكرهم المبتدع من الزعيق والصياح والتمايل، فليس من هدي النبوة في شيء. انتهى كلامه رحمه الله.

ألا فلترْفوا أيها المسلمون خروق الغفلة والنسيان، وهجر تلاوة القرآن، ولتتواصوا بذكر الواحد الديان، والشوق إلى مناجاته في كل مكان وآن تفلحوا وتسعدوا، وتوفقوا وتنصروا، جعلني الله وإياكم من الذاكرين الشاكرين، وأنقذنا جميعاً من رقدات الغافلين، وهدانا صراطه المستقيم، وأجارنا بمنه وكرمه من العذاب الأليم؛ إنه جواد كريم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه كان للأوابين غفوراً.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الواحد الديان، خصّنا بخير الذكر القرآن، أنت الذي يا رب قُلْتَ حروفه ووصفته بالوعظ والتبيان. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تغمر الجوارح وتملأ الميزان، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله وأفضل من ذكر ربه سيّان اللسان والجنان، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه السباقين إلى أعالي الجنان، ومن اقتفى أثرهم بالتقى والإحسان، وسلّم تسليماً كثيراً.

أما بعد: فاتقوا الله أيها المؤمنون، وألظُّوا بالذكر قبل ريب المنون. أيها الأحبة في الله: أفضل الذكر ثواباً وعائدةً، وأكثره هدى ونوراً وفائدة، كلام رب البرية؛ قال سبحانه مُعْلياً قدره وبرهانه: ] وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ[ [الأنبياء:50].    ] إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ [ [يس:60]. كيف وقد أنار القرآن ظلمات الدنيا بنوره الوهاج، وأيقظ القلوب العليلة للهدى وأهاج؛ (إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمورق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه)

          وخير جليس لا يملّ حديثه          وترداده يزداد فيه تجملاً

         يناشد في إرضائه لحبيبه         وأجدِرْ به سؤلاً إليه موصّلا 

أمة القرآن والفرقان: هذا هو القرآن الكريم عظمة وجمالاً، ومكانة وجلالا، ومنزلة وكمالاً. ومع ذلك كله، ومع ما هو متقرر عند أهل الملة المحمدية، والشرائع السماوية، من وجوب تعظيم القرآن وتبجيله، وتقديسه وتكريمه، فإن مما نكأ الجراح، وأقضّ السهاد والمراح، وأثار صيحة ملتاع، وصرخة عفيف مرتاع تشق أجواز الفضاء، وتربدّ لها سائر الأجواء، منددة مستنكرة، مشنعة مستفظعة، ذلك الفعل الأثيم الباغي الذي امتدّ إلى تدنيس أقدس مقدساتنا، وأشرف مشرفاتنا، قرآننا مناط عزنا وفخرنا، واستطال على القرآن الكريم كتاب ربنا، ودستور حياتنا، في عنجهية وصلف بلغا مداهما إن كان للضغن المكين مدى، مما أجج مشاعر المسلمين، وأثار كوامنهم، وألهب حفيظتهم في كل أرجاء المعمورة حرقة وأسى على أقدس مقدساتهم، ونبراس حياتهم، وسر وجودهم. إننا من هذا الثرى الأفيح، والحرم الأطهر باسم أكثر من مليار مسلم يدينون بهذا القرآن العظيم، وقد بلغ الحزام الطبيين، وعيل ثغر الإغضاء، ولم يبق في قوسه نزع، نطالب في حالة ثبوت ذلك بسرعة التحقيق العادل مع الجناة الأثمة في هذه الجريمة النكراء، وإنزال أشد العقوبات الرادعة لهم حسماً لداء المعاودة والتكرار لهذا الجرم الكُبَّار والصنيع الشنيع الغَدَّار، احتراماً لمشاعر المسلمين في العالم، وصوناً للقيم الأخلاقية والحضارية في المجتمعات، وتحقيقاً لمعاني العدل والحق والسلام في جميع أقطار المعمورة، كما نطالب بسرعة الاعتذار للمسلمين في كل مكان من أجل حلّ عقد الغضب المتصاعدة، وإطفاء موجات الغليان المتنامية، وردم الهوة التي تحدثها مثل هذه المخازي المفجعة، والاستفزازات المفزعة، مما تحمد عواقبه، والتي تضرم مع  شديد الأسف فتيل القسوة والكراهة بين الشعوب، وتفتح أبواب العنف على مصاريعها في حلقات من الصراعات تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل، ولا تولّد إلا الصدام بين الحضارات مما سيظل محفوراً في ذاكرة التاريخ، ويسطر بمداد قاتمة لهؤلاء القوم. وقد برئ وأعذر من أبان وحذّر ] وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ[ [الحج:41].

     أكبادنا احترقت بأنات الجوى   ودماؤنا نهر الدموع القاني

فعياذاً بالله عياذاً، ولياذاً به لياذاً، اللهم إنا نعذر إليك، اللهم إنا نبرأ إليك مما صنع هؤلاء بكتابك، ونسألك بهذا البيان براءة الذمة، وتحقيق النصح للأمة، أنت حسبنا ونعم الوكيل، أنت حسبنا ونعم الوكيل، أنت حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.

إن دولة القرآن شرعة ومتنزلاً، ديار الحرمين الشريفين، ليحمد لها موقفها الأغر الريادي إزاء هذا الحادث الجلل، وما ذاك بدعاً في نسيجها الرباني، زادها الله خيراً وثباتاً وتوفيقاً. ولا ينسى الموقف المشرف الذي انبرت له مأجورة مشكورة جميع المؤسسات والهيئات الإسلامية العالمية، فلله درها، وبوركت مواقفها. إن هذا الاستنكار القاصف والتنديد العاصف، لا لاستنفار الحمية وتهييج الغضب وتأجيج العاطفة فحسب؛ بل لذمها وترشيدها، وتأصيلها بالتأصيلات الشرعية والضوابط والآداب المرعية. ولعل هذه الأوخاز والإبر تكون حافزاً لاستجلاء مزيد من العبر، والانطلاق إلى آفاق العمل الإيجابي الجادّ البناء، وميادين الإصلاح والإعمار والنماء، وإلا فالله حافظ دينه، وناصر كتابه ] إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [ [الحجر:9].   

ولن يزيد هذا العمل القرآن إلا رفعة، والمسلمين إلا تمسكاً به ومنعة، والله متم نوره ولو كره الكافرون. ألا فاتقوا الله عباد الله، اتقوه في أنفسكم، وفي قرآنكم، فاتلوه حق تلاوته، وامتثلوا أحكامه، وغاروا عليه، ونافحوا عنه، وانتصروا له لعلكم ترحمون. هذا وصلوا وسلموا على خير البرية وهادي البشرية أفضل الذاكرين وسيد الشاكرين كما أمركم بذلك ربكم رب العالمين، فقال تعالى في أصدق قيله ومحكم تنزيله: ] إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً[   ... 

 
Publicité

Publié dans Sermons - khoutba

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article