أدّوا الأمانات

Publié le par abou abdillah al tounsi

فضيلة الشيخ / حسين آل الشيخ          

13/3/1426هـ

 

1ـ عظم شأن الأمانة.

2ـ مجالات الأمانة.

3ـ من علامة سوء الزمان تضييع الأمانة.

4ـ حمل الدين أمانة في عنق كل مسلم.

 



الأمانة خلق من أخلاق الأنبياء والمرسلين، وفضيلة من فضائل أهل الإيمان، عظم الله أمرها، ورفع شأنها، وأعلى قدرها. يقول عز شأنه: ]إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [ [الأحزاب:72]. ويقول سبحانه في وصف المؤمنين المفلحين: ] وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ[ [المعارج:32]. أمر الله بحفظها ومراعاتها، وفرض أداءها، والقيام بحقها. ويقول تعالى: ] فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ[ [283]. ويقول عز وجل : ] إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا[ [النساء:58]. ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ [الأنفال:27].

ونبينا r  يقول: ( أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) رواه   أبو داود والترمذي وسنده صحيح.

وفي قصة هرقل مع أبي سفيان،( قال هرقل: سألتك ماذا يأمركم فزعمت أنه يأمر بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة، قال: وهذه صفة نبي) متفق عليه.

معاشر المسلمين .. تضييع الأمانة ذنب عظيم، وجرم جسيم، يقول سبحانه ناهياً عن الخيانة في الأمانة : ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [. ويقول r مبيناً أن الخيانة صفة من صفات المنافقين (آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان) متفق عليه.

معاشر المسلمين .. الأمانة تشمل عفة الأمين عما ليس له به حق، وتتضمن تأدية الأمين ما يجب عليه من حق لغيره من ديون سواء لله أو لخلقه.

وتشمل كذلك اهتمامه بحفظ ما استؤمن عليه من ودائع وأموال وحرمٍ وأسرار. وقال العلماء: " والمجالات التي تدخل فيها الأمانة كثيرة تجمعها قاعدة التكاليف والحقوق التي أمر الله عباده برعايتها وصيانتها مما هو متعلق بالدين أو النفوس أو العقول أو الأموال أو الأعراض.

إخوة الإيمان .. ومن الأمانة الواجب مراعاتها والقيام بحقها إسداء النصيحة لمن استنصح وإبداء الرأي السديد المتجرد من كل غرض لمن استشار، فالنبي r يقوم : (المستشار مؤتمن) رواه الترمذي، وقال: "حديث حسن".

ويقول r : (ومن استشاره أخوه المسلم فأشار عليه بغير رشد فقد خانه) رواه أحمد وأبو داود بسند حسن.

ومن الأمانات العامة التي يجب تقوى الله عز وجل فيها الوظائف بشتى أنواعها والمسؤوليات بمختلف صورها. عن أبي ذر قال : قلت يا رسول الله ألا تستعملني، قال: فضرب بيده على منكبي ، ثم قال : يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها) رواه مسلم.

وروى مسلم عن النبي r : (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت، يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة).

إخوة الإسلام .. ومن أعظم ما يؤتمن عليه الإنسان الأموال العامة التي تعود للمسلمين قاطبة، فرض الله رعايتها وعدم إهدارها واجب حفظها كما يحفظ الإنسان ماله وأشد، قال r : (من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطاً كان غلولاً يأتي به يوم القيامة) الحديث. وفيه أيضاً قوله r : (من استعملنا منكم على عمل فليجيء بقليلة وكثيرة ..) رواه مسلم.

وقد مدح r الأمين على مال المسلمين فقال: (الخازن الأمين الذي يؤدي ما أمر به طيبة نفسه أحد المتصدقين) متفق عليه.  

ومن الأمانة العظيمة أيها المسلمون أن لا يوسدُّ أمر من أمور المسلمين إلا فيمن يُتوخى فيه خوف الله وممن توفرت فيهم شروط الصلاحية العلمية والعملية والأمانة على تأدية الواجب الملقى. قال جل وعلا في حكاية عفريت الجن: ] قَالَ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ[ [النمل:38ـ39]. وقال حكاية عن النبي شعيب: ] قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ[ [القصص:26]. ويقول عن يوسف : ] قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [ [يوسف:55].        

وفي حديث حذيفة ابن اليمامة أن النبي r قال لأهل نجران لأبعثنّ إليكم رجلاً أميناً حق أمين فاستشرف لها أصحاب النبي فبعث أبا عبيدة) متفق عليه.

وإن من علامات سوء الزمان، وفساد المجتمع، وخبث السرائر ضياع الأمانة والتفريط في الرعاية والتهاون في المسؤولية واتخاذ المصالح الخاصة الهدف والغاية ونبذ المصالح العامة من أجل المصالح الخاصة والمنافع الذاتية، ففي مقام الذم يقول r : (إن الله يبغض الفحش والتفحش والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يخوّنُ الأمين ويؤتمن الخائن حتى يظهر الفحش والتفحش وقطيعة الأرحام وسوء الجوار).  رواه أحمد وابن ماجه وإسناده صحيح.

وفي صحيح البخاري قوله r : (فإذا أضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة).

فيا من تحمل مسؤولية من مسؤوليات المسلمين من الوظائف والأعمال والمهام والمسؤوليات لقد استرعاكم الله ثم ولي الأمر مسؤوليات جسام ومهام عظام واجب عليكم تقوى الله فيها ورعاية هذه المسؤوليات عليكم القيام بهذه المسؤوليات بما يرضي الله ثم يرضي ولي أمر المسلمين وعامتهم، إياكم وتسخير هذه المسؤوليات في مصالح خاصة أو منافع ذاتية، واحذروا من التهاون في مقاصد هذه المسؤوليات وأهدافها، فلقد ائتمنكم ولي الأمر ثم المسلمون من بعده على هذه المسؤوليات لتسخروها في النفع العام وتحرصوا على الدقيق والكبير فيما يعود بالمصلحة لكل مسلم، ارفقوا بالمسلمين،  اقضوا حاجاتهم، سهلوا عليهم، احذروا من إعناتهم والمشقة عليهم، يسروا ولا تعسروا، بشروا ولا تنفروا، كونوا عوناً في إفشاء المحبة بين أفراد المجتمع، كونوا مرآة صادقة صالحة في تحبيب الناس للنظام وللبلاد ولولي الأمر، فإن من أعظم الخيانة أن تكونوا عوناً للشيطان على الناس؛ لإحباطهم وإزعاجهم ومضرتهم وتنفيرهم عن طاعة ولي الأمر ومحبته، فإن صاحب الحاجة أعمى   لا يبصر إلا حاجته، فلقد قال r : (لكل غادرٍ لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره ألا ولا غادر أعظم غدراً من أمير عامة) متفق عليه ..

قال العلماء : "لأن أمير العامة وهو صاحب الولاية العامة غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثير.

ومن الأمانة العظيمة: على كل مسلم حمل هذا الدين وإبراز محاسنه العظام، وفضائله الجسام، وإفهام العالم كله بالعلم والعمل بالسلوك والمظهر، أن هذا الدين خير ورحمة للبشرية وصلاح للعالم، يحمل السعادة والسلام والفوز والنجاح في الدنيا والآخرة. ومن الأمانة العظيمة: شباب الإسلام. فيا علماء المسلمين ومفكريهم، يا دعاة الإسلام، يا رجال الإعلام والتربية، اتقوا الله في الشباب، وجهوهم لما فيه خيرهم وخير بلدانهم، ما فيه مصالحهم ومصالح أمتهم، فقهوهم مقاصد الإسلام، وجهوهم لمضامين العقيدة الصحيحة، ومبادئ الأخلاق المستقيمة، والأفكار المستقيمة. بصروهم بخطورة الآراء المنحرفة، مثل: الغلو والأفكار المنحرفة، وتبني التكفير، والتبديع، والتفسيق بدون حجة قرآنية، وسنة نبوية، وفهم سديد على منهج علماء الأمة (كلكم راع وكل مسؤول عن رعيته) .

حذروّهم من المعاصي بأنواعها، ومن الآثام بشتى أشكالها، وعلى رجال الإعلام خطرٌ عظيم مما يقع في قنوات كثيرة من برامج تحمل السُم الزاعف والشر المستطير؛ لإفساد أخلاق الشباب والشابات حتى وصل الأمر إلى جمع الشباب والشابات في مكان واحد؛ لغسل الأدمغة، وتعليم الأغاني الماجنة، والأخلاق الرديئة، فليتذكر أولئك المالكون لهذه القنوات عظم الموقف بين يدي الله، وليتذكروا أن الدنيا دار ممر والآخرة هي المستقر ] إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ[ [النور:19].   

 

Publié dans Sermons - khoutba

Commenter cet article