العفو عن الناس

Publié le par abou abdillah al tounsi

فضيلة الشيخ / سعود الشريم

20/3/1426هـ

 

1ـ سلامة صدر المرء من الغش خلق المؤمن.  

2ـ حضت الشريعة على العفو عن الناس.

3ـ العفو لا يقتضي الذلة بل هو الشجاعة.

4ـ العفو والصفح هما خلق النبي r .

 



الحمد لله  القوي الحليم، يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،  يطاع فيشكر، ويُعصى فيغفر، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون.

وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله وصفيه وخليله، تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ألا فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أنما هذه الحياة الدنيا متاع، وأن الآخرة هي دار القرار ] فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ [المائدة:100].    

أيها الناس: سلامة صدر المرء من الغشش، وخلوّ نفسه من نزعة الانتصار للنفس، والتشفي لحظوظها لهي سمة المؤمن الصالح الهيّن الليّن، الذي لا غل فيه ولا حسد، يؤثر حق الآخرين على حقه، ويعلم أن الحياة دار ممرٍّ وليست دار مقرٍّ؛ إذ ما هدف الدنيا في مفهومه إن لم تكن موصلة إلى الآخرة؛ بل ما قيمة عيش المرء على هذه البسيطة وهو يَكْرِزُ في قلبه حب الذات والغلظة والفظاظة، و يُكْرِزُ بين الحين والآخر ما يؤكد من خلاله قسوة قلبه، وضيق عطنه. ما أكثر الذين يبحثون عن مصادر العزة وسبلها، والتنقيب عنها يمنةً ويسرةً، والتطلّع إلى الارتباط بها أو بشيء منها مهما بلغ الجهد في تحصيلها، مع كثرتها وتنوع ضروبها. غير أن ثمة مصدراً عظيماً من مصادر العزة يغفل عنه جل الناس مع سهولته وقلة المؤونة في تحصيله دون إجلاب عليه بخيل   ولا رِجْلٍ؛ إنما مفتاحه شيء من قوة الإرادة، وذم النفس عن استتمام حظوظها، واستيفاء كل حقوقها. يتمثل هذا المفتاح في تسوية القلب من شواغل حظوظ الذات وحب الأخذ دون الإعطاء. هذه العزة برمتها يمكن تحقيقها في ولوج المرء باب العفو والصفح والتسامح والمغفرة. فطيب النفس وحسن الظن بالآخرين، وقبول الاعتذار وإقالة العثرة، وكظم الغيظ والعفو عن الناس؛ كل ذلك يعدّ من أهم ما حضّ عليه الإسلام في تعامل المسلمين مع بعضهم البعض. ومن كانت هذه صفته فهو خليق بأن يكون من أهل العزة والرفعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما نقصت صدقة من مالٍ، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه)) رواه مسلم. وفي لفظ لأحمد: ((ما من عبدٍ ظُلِمَ بمظلمة فيغضي عنها لله إلا أعزه الله تعالى بها ونصره)) فهذه هي العزة يا باغي العزة، وهذه هي الرفعة يا من تنشدها.

إنها رفعة وعزة في الدنيا والآخرة. كيف لا ؟ وقد وعد الله المتصفين بها بقوله: ] وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ[ [آل عمران:133ـ134].

والكاظمين الغيظ عباد الله: هم الذين لا يُعْمِلون غضبهم في الناس؛ بل يكفون عنهم شرهم، ويحتسبون ذلك عند الله عز وجل. أما العافون عن الناس: فهم الذين يعفون عمن ظلمهم في أنفسهم، فلا يبقى في أنفسهم مُوجدة على أحد. ومن كانت هذه سجيته فليبشر بمحبة الله له حيث بلغ مقاماً من مقامات الإحسان ] وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ [ ألا إن من أحسن، فقد أحبه الله، ومن أحبه الله غفر له ورحمه؛ ]إِنَّ رَحْمةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ المُحْسِنِينَ[ [الأعراف:56].    

العفو عباد الله: شعار الصالحين الأنقياء ذوي الحلم والأناة والنفس الرضية؛ لأن التنازل عن الحق نوع إيثار للآجل على العاجل، وبثٍّ للخلق التقي النقي ينفذ بقوة إلى شغاف قلوب الآخرين، فلا يملكون أمامه إلا إبداء نظرة إجلال وإكبار لمن هذه صفته وهذا ديدنه.

إن العفو عن الآخرين ليس بالأمر الهين؛ إذ له في النفس فِكر لا يتم التغلب عليه إلا بمصارعة حب  الانتصار والانتقام للنفس، ولا يكون ذلك إلا للأقوياء الذين استعصوا على حظوظ النفس ورغباتها وإن كانت حقًّا لهم يجوز لهم إمضاءها؛ لقوله تعالى: ] وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ[ [الشورى:41]. غير أن التنازل عن الحق وملكة النفس عن إنفاذه، لهو دليل على تجاوز المألوف وخرق العادات، ومن هنا يأتي التميز والبراز عن العموم، وهذا هو الشديد الممدوح الذي يملك نفسه عن الغضب كما في الصحيحين وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد أخرج الإمام أحمد في مسنده قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيّرَهُ في أي الحور شاء)) .

أيها المسلمون: إن شريعتنا الغراء يوم حضت المسلمين على التخلق بخلق العفو والتجاوز لم تقصر هذا الحض في إطار ضيق أو دائرة مغلقة؛ بل جعلت الأمر فيه موسعاً؛ ليشمل جوانب كثيرة من شؤون التعامل العامّ والخاصّ. فلقد جاء الحظ من الشارع الحكيم للقيادة الكبرى وأهل الولاية العظمى بذلك؛ لأن تمثل القيادة بسيمى العفو والتسامح أمارة من أمارات القائد الناجح كما أمر الله بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: ] خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ[ [الأعراف:199]. والعفو هنا: هو التجاوز على أحد التفسيرين. وكما في قوله تعالى: ] فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ [ [آل عمران:195].    

ولقد تعدى الحض أيضاً إلى أبواب الدماء والقصاص كما في قوله تعالى: ]فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ[ [المائدة:54]. كما تعدى الحضّ أيضاً إلى الزوجين في مسألة الصداق في الطلاق قبل الدخول حيث قال سبحانه: ]وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى[ [البقرة:237].؛ بل إن الحض على العفو قد تعدى إلى ما يخص تبايع الناس وشراءهم ومدايناتهم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أقال مسلما بيعته أقال الله عثرته)) رواه أبو داود وابن ماجة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسراً قال لفتيانه: تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه)) رواه البخاري ومسلم. وثمة تأكيد على عموم الحض على العفو في التعامل مع الآخرين بسؤال الرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله كم نعفو عن الخادم؟ فصمت، ثم أعاد عليه الكلام، فصمت، فلما كان في الثالثة، قال: اعفوا عنه في كل يوم سبعين مرة)) رواه أبو داود والترمذي.

وبعد ـ يا رعاكم الله ـ فإن العفو والتجاوز لا يقتضي الذلة والضعف؛ بل إنه قمة الشجاعة والامتنان وغلبة الهوى؛ لاسيما إذا كان العفو عند المقدرة على الانتصار، فقد بوب البخاري رحمه الله في صحيحه باباً عن الانتصار من الظالم بقوله تعالى: ] وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ [ [الشورى:39].    وذكر عن إبراهيم النخعي قوله: ((كانوا يكرهون أن يستذلوا، فإذا قدروا عفوا)) قال الحسن بن علي رضي الله عنهما: ((لو أن رجلاً شتمني في أذني هذه، واعتذر في أذني الأخرى لقبلت عذره)) وقال جعفر الصادق رحمه الله: ((لأن أندم على العفو عشرين مرة أحب إليّ من أندم على العقوبة مرة واحدة)) وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: ((إذا أتاك رجل يشكو إليك رجلاً، فقل: يا أخي، اعف عنه، فإن العفو أقرب للتقوى. فإن قال: لا يحتمل قلبي العفو، ولكن أنتصر كما أمرني الله عز وجل، فقل له: إن كنت تحسن أن تنتصر، وإلا فارجع إلى باب العفو، فإنه باب واسع، فإنه من عفا وأصلح فأجره على الله، وصاحب العفو ينام على فراشه بالليل، وصاحب الانتصار يقلب الأمور؛ لأن الفتوة هي العفو عن الإخوان)) ثم إن بعض الناس عباد الله، قد بلغ من القسوة ما لا يمكن معها أن يعفو لأحد أو يتجاوز عنه، لا ترون في حياته إلا الانتقام والتشفي ليس إلا. ترونه وترون أمثاله كمثل الغمائم إذا تغيم لم يرج صحوه، وإذا كدر لا ينتظر عفوه، يغضبه العذر الخفي، ولا يرضيه العذر الجلي؛ حتى إنه ليرى الذنب وهو أضيق من ظل الرمح، ويعمى عن العذر وهو أبين من وضح النهار. ترونه ذا أذنين يسمع بإحداهما القول فيشتط ويضطرب، ويحجب عن الأخرى العذر ولو كان له حجة وبرهان. ومن هذه حاله فهو عدو عقله، وقد انطوى عليه سلطان الهوى فصرفه عن الحسن بالعفو إلى القبيح بالتشفي. تقول عائشة رضي الله تعالى عنها: ((ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده ولا امرأة ولا خادماً؛ إلا أن يجاهد في سبيل الله. وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه؛ إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله عز وجل)) رواه مسلم.

ألا إن الانتصار للنفس من الظلم لحق، ولكن العفو هو الكمال والتقوى ]وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [ [الشورى:40].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. قد قلت ما قلت، إن صواباً فمن الله، وإن خطأً فمني والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفاراً.

الخطبة الثانية:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد،،،،

فاتقوا الله أيها المسلمون، واعلموا أن تحضيض الشريعة على العفو والتجاوز لم يكن مقتصراً على العفو في الظاهر دون الباطن؛ بل إن التحضيض عم الظاهر والباطن معاً، فأطلق على الظاهر لفظ العفو، وأطلق على الباطن لفظ الصفح، والعفو والصفح بينهما تقارب في الجملة؛ إلا أن الصفح أبلغ من العفو؛ لأن الصفح تجاوز عن الذنب بالكلية، واعتباره كأن لم يكن. أما العفو فإنه يقتضي إسقاط اللوم الظاهر دون الباطن. ولذا أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم به في قوله: ] فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ[ [الحجر:85]. وهو الذي لا عتاب معه. وقد جاءت الآيات متضافرة في ذكر الصفح والجمع بينه وبين العفو كما في قوله تعالى: ] فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ [ [المائدة:13].    وقوله: ] فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [ [البقرة:109]. وقوله: ]وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُوا الفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي القُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبـُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[ [التوبة:22]. وقوله سبحانه: ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُواًّ لَّكُمْ فَاحْذَرُوَهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[ [التغابن:14].    

العفو والصفح ـ عباد الله ـ هما خلق النبي صلى الله عليه وسلم، فأين المشمرون المقتدون؟ أين من يغالبهم حظوظ الانتصار والانتقام؟ أين هم من خلق سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ((لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً، ولا صخاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح)) رواه أحمد والترمذي، وأصله في الصحيحين. ] وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ [ [الشورى:36ـ37].    

هذا وصلوا ـ رحمكم الله ـ على خير البرية وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنى بملائكته المسبحة بقدسه، وأيه بكم أيها المؤمنون، فقال جل وعلا: ]إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً[ وقال صلوات الله وسلامه عليه: ((من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً)) …

Publié dans Sermons - khoutba

Commenter cet article