ذم اتباع الهوى

Publié le par abou abdillah al tounsi

فضيلة الشيخ/ صالح بن محمد آل طالب

5/4/1426هـ

 

1ـ أصل المخالفات هو اتباع الهوى.    

2ـ الشريعة لم توضع على مقتضى أهواء الناس.

3ـ لا اجتهاد مع النص.

4ـ العقل محمود في الإسلام ولكن له حدود.

 



الحمد لله خلقنا من العدم، وأمدنا بالنعم، قد استغنى عن خلقه وهو العزيز القادر، فما جار في شرعه وما ظلم. أحمده سبحانه وأشكره، وأثني عليه وأستغفره. قد علم من خلقه حالهم ومآلهم وما يصلحهم. وكل ذلك قد جرى به في اللوح القلم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله شهادة نرجو بها النجاة من الظلم، والاهتداء إلى سبيل الله الأقوم. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد: أيها الناس، فاتقوا الله تعالى حق التقوى ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ[  [آل عمران:102].  التقوى على الإيمان علم، وبه تثبت على الصراط القدم. ثم اعلموا رحمكم الله أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أما بعد أيها المسلمون: فإن الله خلق الخلق لعبادته وحده والدخول تحت أمره ونهيه قال سبحانه: ]وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ[ [الجن:56].    وقال عز من قائل: ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[ [البقرة:21]. وما أُرسِلت الرسل وأنزلت الكتب، وقامت الجنة والنار إلا لأجل هذه الحقيقة العظيمة، ولإخراج الناس من داعية أهوائهم إلى عبادة خالقهم ومولاهم بتوحيده واتباع أمره واجتناب نهيه في كل تفاصيل الحياة، والرجوع إلى شرعه في كل الأحوال، والانقياد لأحكامه على كل حال. وكتابُ الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم متضافرة على هذا المقصد؛ ليكون الإنسان على ما يرضي ربه سبحانه وتعالى، فإن خالف هذا المقصد فهو المتوعد بالعذاب العاجل في الدنيا والآجل في الأخرى ]فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[ [النور:63].    

أيها المسلمون: إن أصل المخالفات هو اتباع الهوى، والانقياد إلى الأغراض العاجلة والشهوات الزائلة. وقد جعل الله اتباع الهوى مضادًّا للحق كما في قوله سبحانه: ]فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ[ [ص:26]. وقال عز وجل: ]فَأَمَّا مَن طَغَى . وَآثَرَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا. فَإِنَّ الجَحِيمَ هِيَ المَأْوَى. وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى. فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأْوَى[ [النازعات:37ـ41] وقال عن نبيه صلى الله عليه وسلم: ]وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى. إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى[ [النجوم:3ـ4] فقد حصر الأمر في شيئين: الوحي، والهوى، ولا ثالث لهما. وقد علم بالتجارب والعادات كما علم بالنص أن المصالح الدينية والدنيوية لا تحصل مع الاسترسال في اتباع الهوى والتمشي مع الأغراض بلا ضابط؛ لما يلزم في ذلك من الفوضى والتهارج والتقاتل والهلاك.

أيها المؤمنون: ولا يتم الإسلام حقيقة إلا بإسلام النفس وقيادها باريها سبحانه كما قال عز شأنه: ]قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ . لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ[ [آل عمران:162ـ163].    ذلك أن حقيقة الإسلام هو الاستسلام لله والانقياد له بالطاعة، فإسلام القياد لرب العالمين، والقبول والرضا بحكمه وشرعه في كل نواحي الحياة فرضٌ لازمٌ، وهو مقتضى الإسلام، ومن عارض شرع الله برأيه فليس بمستسلم لله؛ بل هو عبد لهواه، وهو المقصود بقول الله تبارك وتعالى: ]أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ[ [الجاثية:23]. وقال سبحانه: ]فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ[ [القصص:50] .

وإذا كان الاستسلام لله في كل الأمور هو مقتضى الإسلام، فإنه أيضا شرط الإيمان قال سبحانه: ]فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاًّ مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً[ [النساء:65].   وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)) قال النووي: حديث حسن صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح.

أيها المسلمون: ومعالم الشريعة الإسلامية قد جاءت بمصالح الخلق؛ إلا أنها لم توضع على مقتضى تشهي العباد وأهوائهم ]وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ  وَمَن فِيهِنَّ[ [المؤمنون:71]. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في "درء تعارض العقل والنقل": ((إن الناس لا يفصل بينهم النزاع إلا كتاب منزل من السماء، ولو رُدُّوا لعقولهم فلكل واحد منهم عقل)).

عباد الله: قد يضعف إيمان مسلم فيغلبه الشيطان على معصية لا يلبث أن يتوب منها فيتوب الله عليه، أو يموت على غير توبة فأمرهُ إلى الله إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. وهذا شأن كثير من الخلق، وكل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون؛ إلا أن الذي يلحقه الذم، وينطبق عليه الوعيد هو من يكابر ويجادل عن معصيته وهواه، ويعارض حكم الله وشرعه بعقله ورأيه، وينصب نفسه لنقض عرى الإسلام، وحرب كل فضيلة لا توافق هواه، والدعوة لكل ما تشتهي نفسه وتهواه مقتضياً بالفلاسفة القدماء في اتباع عقله فيما يحسنه ويقبّحه حتى يتيه في بيداء الهوى وظلمة الضلال كالكوز مجخِّياً   لا يعرف معروفا ولا ينكر منكراً إلا ما أُشرب من هواه)). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((واتباع الأهواء في الديانات أعظم من اتباع الأهواء في الشهوات، فإن الأول حال الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، وهؤلاء هم من عناهم النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي حذيفة رضي الله عنه المخرّج في الصحيحين: ((دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله صفهم لنا. قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا)) وفي سنن أبي داود بسند حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكَلَبُ بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله)) قال الشاطبي: وحاصل ما عوَّلوا عليه تحكيم العقول المجردة فشرَّكوها مع الشرع في التحسين والتقبيح. ولو وقفوا هنالك لكانت الداهية على عظمها أيسر، ولكنهم تجاوزوا هذه الحدود كلها إلى أن نصبوا المحاربة لله ورسوله باعتراضهم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

أيها المسلمون: إنه لا اجتهاد مع النص، ولا قول لأحد مع قول الله عز وجل وقول رسوله صلى الله عليه وسلم: ]وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً[ [الأحزاب:36]. بل إن كراهة شرع الله وابتغاء ما سواه محبط للعمل كما في سورة محمد صلى الله عليه وسلم: ]ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ[ [محمد:9]. قال ابن رجب: المعاصي تقع من تقديم الهوى على محبة الله ورسوله، والبدع تقع من تقديم الهوى على الشرع، وهو أخطر. لذا سمي أهل البدع أهل الأهواء، وإذا اعتادت النفس الرضاع من الهوى، فإن فطامها عسير.

عباد الله: لقد جعل الله للعقول في إدراكها حدا تنتهي إليه، ولا يمكن أن تحيط بكل شيء، فالإحاطة للباري وحده الذي يعلم الأشياء على التمام والكمال والمآل. أما العباد فإدراكهم قاصر، ولا يتفقون في النظريات عادة، لذلك تراهم يركبون اليوم مذهباً ويرجعون عنه غدا، ثم يصيرون بعد غد إلى رأي ثالث، ولو كان ما يقضي به العقل كله حقا لكفى في إصلاح معاش الخلق ومعادهم، ولم يكن لبعثة الرسل عليهم السلام فائدة، ولكانت الرسالة على هذا الأصل تعد عبثاً لا معنى له، وهذا كله باطل. إن الواجب على المسلم الحذر من هذا المسلك الخطير، وهو رد شيء من شريعة الله أو كراهتها، أو تقديم الهوى والعقل على الوحي، ولقد اتفق أهل السنة على أن من فعل عددا من الكبائر دون الشرك فإنه لا يكفر، ومن استحلها كفر وإن لم يفعلها إذا علمت من الدين بالضرورة. ومن أراد النجاة في الدنيا والآخرة فليلزم قول الحق سبحانه: ]وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[ [الأنعام:153].   

بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة، ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو أهل التقوى وأهل المغفرة.

الخطبة الثانية:

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن  لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

أما بعد: أيها المؤمنون: العقل محمود في الإنسان، ولولاه لما اختص بالتكليف دون سائر الحيوان. وقد خاطب الله العقل في آيات كثيرة من كتابه، وأمر بالتفكر والتعقل؛ بل علل له كما في قوله: ]لعلكم تعقلون[  .    إلا أن الخالق سبحانه كما خلق العقل في الإنسان، فقد فاوت بين الناس، وركب في طبائعهم الهوى والشهوة، وجعل الوحي حاكما على كل ذلك ابتلاء منه سبحانه، فمن أخضع ذلك لله وحده فهو المسلم المستسلم له، المنقاد لطاعته، والمستحق لجنته، ومن تمرد بعقله، وأعجب برأيه، فهو المتوعّد بالعقاب. وقد ذكر العلماء رحمهم الله أوصافاً لأهل الأهواء، والمقدمي عقولهم القاصرة على الشريعة الكاملة، وهي أوصاف انطبقت ولا زالت تنطبق منذ القرون الأولى، فمنها: اتباع المتشابه؛ كما قال سبحانه: ]فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ[ [آل عمران:7] ومنها: ذم المتقدمين ممن اشتهر علمهم وصلاحهم واقتداء الخلف بهم خاصة من الصحابة، ويخص بالمدح من يوافق هواه كالفلاسفة وأهل الكلام. ومنها: عدم تعظيم النصوص الشرعية والتهاون والتهوين في مخالفتها؛ بل يصل الحال ببعضهم إلى الاستخفاف بها والتندر بمن تمسك بها، وجعله تحت مجهر النقد والتثريب وإسقاطه عند العامة. ومنها: عدم ظهور السنة في عباداتهم وسلوكهم وهيئاتهم، ومع هذا فإن أحدهم يجعل نفسه مقارنا لكبار علماء السنة، فهو كمن قال الله فيهم:. ]وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ . ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَذَابَ الحَرِيقِ . ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ[ [الحج:8ـ10].

اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، واهد اللهم ضالّ المسلمين. ثم اعلموا ـ رحمكم الله ـ أن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا من الصلاة والسلام على خير البرية وأزكى البشرية محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي، فإن صلاتكم معروضة، ومن صلى عليه صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين...

Publié dans Sermons - khoutba

Commenter cet article