تعظيم القرآن

Publié le par abou abdillah al tounsi

  فضيلة الشيخ/ عبد الباري الثبيتي              

12/4/1426هـ

 

1ـ ظلام الجاهلية السابقة بدده نور القرآن الكريم.  

2ـ الجيل الأول ساروا على نهج القرآن، فكانوا خير أمة.

3ـ تعظيم القرآن الكريم من تقوى القلوب.

4ـ سبل تعظيم القرآن الكريم.

 

 

 

 



كانت البشرية تعيش في ظلام دامس، وليل بهيم، لعبت بعقولها انحرافات وخرافات، حتى أكرم الله هذه البشرية وأنزل عليها القرآن، ليخرجها من الظلمات إلى النور، ومن الخضوع للأوثان والأصنام إلى خضوع كامل للواحد الديان.

أنزل الله القرآن معجزة خالدة، وتحدى به الثقلين، فأذعن لفصاحته بلغاؤهم، وانقاد لحكمه حكماؤهم، وأنبهر بأسراره علماؤهم، وانقطعت حجج معارضيه وظهر عجزهم، كيف لا؟!، وهو كلام الحكيم الخبير الذي لا يطاوله كلام،       ولا يجاريه أسلوب، قول إيجاز، وآيات إعجاز.

يسر ذكره للذاكرين، وسهل حفظه للدارسين، فهو للقلوب ربيعها، وللأبصار ضياؤها، جعله الله نوراً وإلى النور يهدي حقاً وإلى الحق يرشد، وصراطاً مستقيماً ينتهي بسالكيه إلى جنة الخلد، لا تمله القلوب ولا تتعب من تلاوته ولا يخلق مع كثرة الترداد.

القرآن دليل درب المسلمين، ودستور حياة المؤمنين، وهو كلية الشريعة، وعمود الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، وإذا كان كذلك لزم من رام الهدى والنور والسعادة في الدارين أن يتخذه سميره وأنيسه، وأن يجعله جليسه على مر الأيام والليالي، نظراً وعملاً، لا اقتصاراً على أحدهما، فيوشك أن يفوز بالبغية، وأن يظفر بالطلبة، ويجد نفسه من السابقين وفي الرعيل الأول.

الجيل الأول في صدر الإسلام ساروا على نهج القرآن، فأصبحوا خير أمة أخرجت للناس، لم يكن القرآن عندهم محفوظاً في السطور، بل كان مكنوناً في الصدور، ومحفوظاً في الأخلاق والأعمال، يسير أحدهم في الأرض وهو يحمل أخلاق القرآن وآدابه ومبادئه.

ولقد شهد الأعداء بعظمة القرآن وسمو معانيه: فقد أتى الوليد بن المغيرة إلى الرسول r يقول: يا محمد اقرأ عليّ القرآن، فيقرأ عليه الصلاة والسلام ] إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ [النحل:90]. ولم يكد يفرغ الرسول r من تلاوتها حتى يطالب الخصم الألد بإعادتها لجلالة لفظها، وقدسيه معانيها، مأخوذاً برصانة بنيانها، مجذوباً بقوة تأثيرها، ولم يلبث أن يسجل اعترافه بعظمة القرآن قائلاً: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمورق، وإن أعلاه لمثمر، وما يقول هذا بشر".

يخبر الرب تبارك وتعالى عن عظمة القرآن وجلاله، وأنه لو خوطب به صم الجبال لتصدعت من خشية الله، قال الله تعالى: ] لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا القُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ[ [الحشر:21].      

في إحدى غزوات النبي r قام رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار بالحراسة ليلاً، فاضطجع المهاجري وقام الأنصاري يصلي، فجاء رجل من العدو، فلما رأى الأنصاري رماه بسهم فأصابه فنزعه الأنصاري حتى رماه بثلاثة أسهم، ثم ركع وسجد فانتبه صاحبه، وهرب الرجل، ولما رأى المهاجر ما بالأنصاري من الدم قال: سبحان الله ألا أنبهتني أول ما رمى قال كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها.

إن الكلام يعظم بعظم قائله، فكيف إذا كان المتكلم هو الله عز وجل؟ جبار الأرض والسماء سبحانه قال تعالى: ]ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ[ [الحج:32].

وعنوان الشعائر الإلهية هو القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه    ولا من خلفه.

هو عظيم عند الله، هو في اللوح المحفوظ كما قال الله تعالى: ]وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [ [الزخرف:4].

قال ابن كثير في معنى الآية: "بيَّن شرفه في الملأ الأعلى ليشرِّفه ويعظِّمه ويطيعه أهل الأرض، وإن تعظيم كلام الله، تعظيم لله"، قال النووي رحمه الله: "أجمع المسلمون على وجوب تعظيم القرآن العزيز على الإطلاق، وتنزيهه وصيانته".

وقال القاضي عياض  ـ رحمه الله ـ : "من استخف بالقرآن أو بالمصحف أو بشيء منه فهو كافر بإجماع المسلمين".

يعظم كتاب الله بحسن التلاوة، وتصديق الأخبار، وامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، وبما شرع الله لكم أن تعظموه به.

إن تعظيم كلام الله تعالى ليس بتجويد قراءته وإقامة حروفه فحسب، وليس بتزيينه وتفخيم طباعته وكاتبته، وليس بتعليقه على جدران البيوت، وليس بقراءته على الأموات، بل بإقامة حروفه وحدوده، وتعظيم شأنه والسير على منهاجه ]كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ[ [ص:29].

وإن من تعظيم كتاب الله أن لا يقرأه الإنسان، وهو جنب، وألا يمس المصحف إلا على طهارة؛ لأن النبي r كتب إلى عمرو بن حزم: (أن لا يمسَّ القرآن إلا طاهر) رواه مالك في الموطأ.

ومن تعظيم القرآن أنه لا يجوز الكلام فيه بغير علم، يقول الإمام النووي رحمه الله : "ويحرم تفسيره بغير علم، والكلام في معانيه لمن ليس من أهلها، والأحاديث في ذلك كثيرة والإجماع منعقد عليه وأما تفسيره للعلماء فجائز حسن والإجماع منعقد عليه".

ومن تعظيمه ترك تفسير القرآن بالظن؛ أخرج أحمد والترمذي وحسنه عن    سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي r قال: (اتقوا الحديث عنّي إلا ما علمتم فمن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار).

ومن تعظيمه إحضار القارئ قلبه في القراءة، والتفكر فيها. روى البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال : سمعت رسول الله r يقول: (يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وعملكم مع عملهم ويقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.

ومن تعظيم القرآن تنظيف الفم لأجل القراءة بالسواك والمضمضة. روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r قال : (لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة).

قال البيهقي رحمه لله: " ظاهر هذا أنه كان يفعل هذا للصلاة وقراءة القرآن".

ومن تعظيمه كراهية قطع القراءة لكلام الناس، فلا ينبغي أن يؤثر كلام الناس على قراءة القرآن، روى البخاري في كتابه عن نافع قال: كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ  منه.

ومن تعظيمه تلقي القرآن من العدول العلماء بما أخذوا وبما يؤدونه: روى مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله r : قال لأبي : "إن الله أمرني أن أقرأ عليك"، قال: آلله سماني لك ؟! قال: الله سماك لي قال فجعل أبي يبكي).

ومن تعظيمه ترك المماراة في القرآن: روى البخاري عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه النبي r قال : اقرءوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا عنه).

روى مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال هجرَّت إلى رسول الله r يوماً قال فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية فخرج علينا رسول الله r يعرف في وجهه الغضب فقال: إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب.

ومن تعظيمه عدم السفر بالقرآن إلى أرض العدو، روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر قال : (نهى رسول الله r أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو).

روى مسلم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله r : (لا تسافروا بالقرآن فإني لا آمن أن يناله العدو قال أيوب فقد ناله العدو وخاصموكم به).

قال النووي : "النهي عن المسافرة بالمصحف مخافة أن يناله العدو فينتهكوا حرمته، فإذا أمنت هذه العلة فلا كراهة ولا منع منه.

ومن تعظيمه ترك استئكال الأموال بالقرآن: روى الترمذي وقال حديث حسن، عن عمر بن حصين رضي الله عنه أنه مر على قاص يقرأ ثم يسأل فاسترجع ثم قال سمعت رسول الله r : (من قرأ القرآن فليسأل الله به فإنه سيجيء أقوام يقرءون القرآن يسألون به الناس).

روى البخاري ومسلم عن علي رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله r يقول: (يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة).

والمعنى: سيظهر في زمنكم قوم يكثرون من العبادة ولكن رياء وسمعة، بعيدون عن الدين كالسهم إذا نفذ من مرماه بسرعة، فينظر الرامي في النصل والقدح والريش فلا يرى فيها أثر للإصابة، قوم أصابتهم فتنة فعموا وصموا.

فقراءة القرآن رياء لا أجر فيها، بل هي وبال على صاحبها. قراءة القرآن       لا تكون إلا للإيمان به والعمل به لله تعالى .. قال الله تعالى: ] إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً [ [الإسراء:9].

الخطبة الثانية:

ومن تعظيم القرآن المحافظة على الكتب والصحف التي تشتمل على آيات من القرآن الكريم في غلافها أو داخلها، لكن بعض المسلمين حينما يقرؤون تلك الكتب والصحف يلقونها فتجمع مع القمائم، وتوطأ بالأقدام، بل قد يستعملها بعضهم سفرة لطعامه ثم يرمي بها في النفايات مع النجاسات والقاذورات، ولا شك أن هذا امتهان لكتاب الله العزيز وكلامه المبين.

ومن تعظيم كتاب الله أن يرفع فلا يوضع في الأرض، لاسيما في الأرض التي ليست محترمة، فإن وضعه في أرض ليست محترمة يدل على عدم مبالاة الواضع به، لكن لو كان الإنسان يقرأ في المصحف وهو في المسجد أو في بيته ثم أراد السجود ووضعه بين يديه فإن هذا لا بأس به ولا إهانة فيه القرآن.

ومن تعظيم القرآن أن لا تمد إليه رجليك، وأن لا توليه ظهرك.

ومن حق القرآن علينا نحن المسلمين المنافحة عنه، وعدم السكوت على من يتهجم على القرآن أو يستهزئ به، ولقد آلم المسلمين خبر وقوع تدنيس لآيات المصحف الشريف، وهذا عمل مشين وإساءة الجميع المسلمين، وامتهان لكتاب الله العزيز، كما أنه يلهب مشاعر الغضب لدى المسلمين، وفيه مخالفة للقيم الأخلاقية وإيقاد لنـزعات التطرف وتأجيج مشاعر الكراهية.

والواجب التحقيق في هذه السلوكيات المشينة، وإنزال العقوبات الرادعة بكل من ارتكب هذه الجريمة النكراء، مع الاعتذار للمسلمين، فهذا العمل من أشد الموبقات جرماً.

يقول عمر رضي الله عنه كما في صحيح البخاري: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله r فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله r فكدت أساوره في الصلاة فتصبرت حتى سلم فلبّبته بردائه فقلت من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ قال أقرأنيها رسول الله r فقلت كذبت فإن رسول  الله r قد أقرأنيها على غير  ما قرأت فانطلقت به أقوده إلى رسول الله r فقلت إنّي سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها فقال رسول الله r : أرسله اقرأ يا هشام فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ فقال رسول الله r كذلك أنزلت ثم قال : اقرأ يا عمر فقرأت القراءة التي أقرأني فقال رسول الله r كذلك أنزلت إن هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه".    

Publié dans Sermons - khoutba

Commenter cet article